أبي منصور الماتريدي

485

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الحمد - أيضا - بالإحسان إلى مملكته ، فإذا ترك نصرهم وهو ممكن من ذلك ، فقد ترك إحسانه إليهم ؛ فصار به غير ممدوح ولا محمود ، والله - تعالى - استحق العز والحمد بذاته لا بأحد من خلائقه ؛ فلم يكن في إذلال أوليائه ما يوجب النقص في وصف الحمد ، ولا ما يوجب قصورا في العز . والثاني : [ أن ] « 1 » الدنيا وما فيها أنشئت للإهلاك ، ولعل الإهلاك بما ذكر أيسر عليهم من هلاكهم حتف أنفهم ، وكان في ذلك النوع من الهلاك نيل درجة الشهداء ، وهي التي ذكرها الله - تعالى - في قوله : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . الآية [ آل عمران : 169 ] ، ولا ينال تلك الدرجة بموتهم حتف أنفهم « 2 » ، فهذا أبلغ نصرا منه إياهم . ثم للجزاء والعقاب دار أخرى فيها يظهر تعزيز الأولياء وقمع الأعداء ؛ فلم يكن [ في ] « 3 » ترك النصر في الدنيا ما يوجب وهنا ولا ذلا ، وأما ملوك الدنيا إذا تركوا نصرهم وقت ملكهم لأوليائهم ، لم يتوقع منهم النصر بعد ذلك ؛ إذ ليست في أيديهم إلا المنافع الحاضرة ؛ لذلك لحقتهم المذمة بترك النصر ، والله أعلم . ثم ليس في إهلاك أولئك القوم الذين آمنوا واقتدارهم عليهم إيهام أنهم كانوا على الحق والصواب ، وأن المؤمنين كانوا على الخطأ ؛ لأن الإهلاك إنما يصير آية إذا كان على خلاف المعتاد ، وإهلاكهم لم يكن كذلك ؛ لأن عددهم كان كثيرا ، وكان في المؤمنين قلة ، وإهلاك الكثير للقليل غير مستبعد ؛ بل هو أمر معتاد ، وغلبة الفئة القليلة الفئة الكثيرة هي التي تخرج من حد الاعتياد ؛ فيكون فيها آية : أن الفئة القليلة على الحق والأخرى على الباطل ، وذلك نحو غلبة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يوم بدر بمن « 4 » معه من المسلمين مع قلة أعدادهم وضعفهم في أنفسهم ، وكثرة أتباع الكفرة وقوتهم وجلادتهم في أنفسهم ، والله أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - : وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ ، أي : لم يكن من المؤمنين بمكانهم جرم لينتقم منهم بالإحراق سوى أن آمنوا بالله تعالى . وقيل : ما عابوا عليهم ، وما أنكروا منهم سوى أن آمنوا بالله تعالى ، وفي هذا تبيين سفههم وعتوهم ؛ لأنهم علموا أن ما لهم من النعم كلها من الله تعالى ، وكان الذي يحق

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أنفسهم . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : من .